ابن أبي الحديد

78

شرح نهج البلاغة

أيضا عرفنا انه يستحيل أن يعرف بغير العقل ، وان قول من قال انا سنعرفه رؤية ومشافهة بالحاسة باطل . قوله عليه السلام ( لا تجرى عليه الحركة والسكون ) ، هذا دليل اخذه المتكلمون عنه عليه السلام فنظموه في كتبهم وقرروه ، وهو إن الحركة والسكون معان محدثة ، فلو حلت فيه لم يخل منها ، وما لم يخل من المحدث فهو محدث . فان قلت إنه عليه السلام لم يخرج كلامه هذا المخرج ، وإنما قال كيف يجرى عليه ما هو أجراه ، وهذا نمط آخر غير ما يقرره المتكلمون . قلت بل هو هو بعينه ، لأنه إذا ثبت انه هو الذي أجرى الحركة والسكون ، أي أحدثهما لم يجز أن يجريا عليه ، لأنهما لو جريا عليه لم يخل اما أن يجريا عليه على التعاقب ، وليسا ولا واحد منهما بقديم ، أو يجريا عليه على أن أحدهما قديم ثم تلاه الاخر ، والأول باطل بما يبطل به حوادث لا أول لها ، والثاني باطل بكلامه عليه السلام ، وذلك لأنه لو كان أحدهما قديما معه سبحانه لما كان أجراه ، لكن قد قلنا إنه أجراه ، أي أحدثه ، وهذا خلف محال . وأيضا فإذا كان أحدهما قديما معه لم يجز أن يتلوه الاخر ، لان القديم لا يزول بالمحدث . ثم قال عليه السلام ( إذا لتفاوتت ذاته ، ولتجزأ كنهه ، ولامتنع من الأزل معناه ) ، هذا تأكيد لبيان استحالة جريان الحركة والسكون عليه ، تقول لو صح عليه ذلك لكان محدثا ، وهو معنى قوله ( لامتنع من الأزل معناه ) ، وأيضا كان ينبغي أن تكون ذاته منقسمة ، لان المتحرك الساكن لا بد أن يكون متحيزا ، وكل متحيز جسم ، وكل جسم منقسم ابدا ، وفى هذا إشارة إلى نفى الجوهر الفرد .